احمد عوض بن مبارك
ما يتطلبه السلام في اليمن
21:58 2017-09-27

آ 

في عام 1985، أضاف الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز للعالم روايته الشهيرة، "الحب في زمن الكوليرا"، والتي كانت واحدة من أعظم الأعمال الأدبية على الإطلاق. وبعد مرور ثلاثة عقود، وبسبب الصراع الذي دمر بلدي الحبيب، ظهر للعالم في اليمن اليوم أسوأ انتشار للكوليرا. والآن، فقد حان الوقت "للسلام في وقت الكوليرا".
السلام لا يمكن أن يكون خيالاً مليئا بالوعود الفارغة والأهداف الغامضة؛ بل يجب أن يكون بناءً صادقا مشبعا بأهداف ملموسة وآمال قابلة للتحقيق. ولا يمكن أيضا ترك السلام في اليمن يموت كما لو كان ضحية للكوليرا. وخلافا للصعوبات التي تواجه ضحايا هذا المرض، فإن سُبل حل النزاع في اليمن متاحة لجميع الأطراف.
بات اليمن اليوم يعاني من صراع يتأثر، مثل غيره من الصراعات، بمحيطه الخارجي وبالتحولات الداخلية. وسواء كانت هذه المتغيرات قرارات الأمم المتحدة أو رسائل المجتمع الدولي، أو كانت تدخل التحالف العربي الذي استجاب لنداء الرئيس هادي، أو التمويل والدعم الإيراني للحوثيين، أو كانت انهيار التحالف الحوثي وصالح والمواجهات الحتمية بينهما؛ كل هذه المتغيرات كانت لا تزال ترسم مسار الصراع سواء كان ذلك للأفضل أو الأسوأ.
ولذلك، فمن الضروري التأني والنظر إلى الصورة الأكبر وتوضيح بعض النقاط المهمة قبل الشروع في محاولة تقديم أي حلول لهذا الصراع الذي طال أمده.
أولا، اليمن ليست سوريا.
يُروج البعض أن حل الأزمة في اليمن معقد مثل سوريا. وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة؛ فاليمن مختلف تماما. فقد استفادت اليمن، إلى حد ما، من مزايا نظام متعدد الأحزاب منذ عام 1990؛ وكان هناك صحافة حرة في الماضي، وزادت الحرية بعد ثورة الشباب عام 2011، إلى أن استولت قوات الحوثي وصالح على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014. كما أن المجتمع الدولي موحد تجاه اليمن ويدعم حكومة الرئيس هادي؛ إضافة إلى أن الامم المتحدة قد اتخذت العديد من القرارات التي تناولت الصراع. والأهم من ذلك، أن اليمن لديها خارطة طريق – المبادرة الخليجية – والتي لم تكن فقط في مرحلة التنفيذ عندما وقع الانقلاب، ولكن تم اعتمادها والموافقة عليها في استفتاء شعبي عام 2012، الذي كان آخر انتخابات في اليمن. وعلاوة على ذلك، فقد تم الاتفاق على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، ومنه تم صياغة دستور جديد، من قبل ممثلين عن شريحة واسعة من المجتمع اليمني على جميع المستويات، بمن في ذلك الحوثيون.
ثانيا، الصراع في اليمن ليس طائفيا في طبيعته - على الأقل ليس بعد.
على مدى قرون، كانت الزيدية والشافعية المذهبين الرئيسيين المتعايشين في اليمن. لم يكن في اليمن خلاف طائفي بين الشيعة والسنة يمُيز طريقة ممارسة اليمنيين لحياتهم، خلافا لما كان عليه الحال في أماكن أخرى في المنطقة. وعلاوة على ذلك، كان كل من الزيود والشوافع يصلون دائما في المساجد ذاتها، ويتزوجون ويتعايشون مع بعضهم بدون تمييز طائفي؛ إلا أن بوادر الطائفية بدأت بعد انقلاب الحوثيين وصالح. ومع ذلك، فإذا استمرت الحرب، فإن هذا الطائفية الوليد ستغير طبيعة الصراع، وإن تم ذلك فمن الصعب العودة وتصحيح المسار.
ثالثاً، الحل أقرب مما يعتقد الكثير.
وافقت جميع الأطراف في اليمن على "المرجعيات الثلاث" للسلام، التي أقرها المجتمع الدولي: المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة لا سيما القرار 2216. وقد شكلت هذه المرجعيات إطار العمل خلال جولات مشاورات السلام الثلاث (2015-2016) التي تمت تحت رعاية الأمم المتحدة ومجموعة الدول الـ18، بمن في ذلك الولايات المتحدة.
خلال جولة مشاورات السلام المنعقدة في الكويت، والتي استمرت حوالي 115 يوما، كان الحل في متناول اليد، وتمكن مبعوث الامم المتحدة، السيد اسماعيل ولد الشيخ احمد، بمهارة من التوصل الى خطة تعالج قضايا ومخاوف جميع الاطراف. فقد اقترح أن تتم مناقشة الترتيبات الأمنية والجانب السياسي بالتوازي، وأن يتم الاتفاق عليهما في إطار أتفاق واحد، وهو شرط مسبق طرحه الحوثيون، وطرحت الخطة أيضا أن يتم تنفيذ الشق الأول من الخطة قبل تنفيذ الشق الثاني، وهو ما بدّد مخاوف الحكومة. وافقت الحكومة دون تحفظات، غير أن الحوثيين تراجعوا كما كانوا يفعلون في الماضي على الدوام.
إذا، كيف نعود إلى المسار الصحيح؟
نحن بحاجة أولاً إلى عقد جولة جديدة من مشاورات السلام. والحكومة مستعدة وتدعم باستمرار جهود السلام التي يبذلها مبعوث الامم المتحدة. والسؤال هنا: كيف يمكن إقناع الحوثيين بأن الوقت قد حان للحوار؟
ليتمكن المبعوث الأممي من إقناع الحوثيين بالعودة لطاولة المفاوضات، يتعين عليه بدء الحديث حول إعادة تفعيل لجنة التهدئة والتواصل التي اقترحتها الأمم المتحدة ووافق عليها جميع الأطراف. فقد شُكلت هذه اللجنة لضمان استدامة أي وقف لإطلاق النار في المستقبل. وأعضاء اللجنة من الجانب الحكومي جاهزون منذ إنشائه، في حين أن الحوثيين لايزالون يتهربون من أرسال مندوبيهم. بل أنهم قصفوا مبنى مكتب اللجنة في وقت سابق من هذا العام.
على المبعوث الاممي مواصلة الدفع باقتراحاته الاخيرة حول مدينة وميناء الحديدة، التي قبلت بها حكومتنا وجنّبت استخدام الخيار العسكري. فلا يمكن السماح للحوثيين بالاستمرار في إساءة استخدام ميناء الحديدة؛ وتهريب الأسلحة، وسرقة المساعدات وبيعها في السوق السوداء، كل هذا يجب أن يتوقف.
إعادة فتح مطار صنعاء الدولي يُعد أيضا بداية طيبة، وهذا الأمر بيد الحوثيين وحلفائهم تماما. وقد صرحت الحكومة مرارا بأنها لا تعارض اعادة فتح مطار صنعاء بشرط السماح لإدارة المطار وموظفيه بالعودة الى وظائفهم تحت اشراف الامم المتحدة. فالحكومة لن تسمح لميليشيات أن تحل محل إدارة المطار المدنية الدولية.
وبدون الضغط على الحوثيين والرئيس السابق صالح، لن يتحقق السلام أبداً.
أتمنى، بكل صدق، أن يسود السلام وأن ينعم اليمنيون مجددا بالحرية في بلدي الحبيب. فعلى مر التاريخ، تبدأ الصراعات وتنتهي، بطريقة أو بأخرى، والصراع في اليمن ليس مختلفاً وسينتهي يوما ما.
أتمنى فقط أن يكون هذا اليوم قريب وأن يكون السلام مستدام.

آ 

* السفير أحمد عوض بن مبارك. 25 سبتمبر 2017، الصحيفة السياسية “ذا هيل" الأمريكية -– واشنطن العاصمة