الاقتصاد اليمني يُدار بفكرة المغنم منذ عقود
*
* يمن 24 /متابعات
18:13 2016-12-11
منذ ما يزيد عن نصف قرن لم تتمكن السلطات اليمنية من بناء منظومة اقتصادية متينة، وظل الاقتصاد اليمني يعاني من اختلالات بنيوية وهيكلية متأثرا بثلاثية الفساد والنزاعات المختلفة على الموارد والعقلية القبلية للقائمين على إدارته، وفقاً لما تقوله دراسة حديثة للباحث بليغ أحمد المخلافي. وتقول الدراسة التي حصل "المشاهد" على نسخة منها إن إدارة الاقتصاد اليمني تمت بعقلية تسيطر عليها فكرة المغنم في إدارة مؤسسات الدولة بعيداً عن أساليب الإدارة الحديثة، وعززت فكرة الاستعجال في كسب المغانم القائمة على الفساد المستشري في كل مناحي الحياة والذي طال حتى صفقات بيع النفط والغاز، وإلى جانب الاختلالات المالية والهيكلية في الموازنة، كلف تدهور الأوضاع الأمنية وغياب سيادة القانون الخزينة العامة للدولة أكثر من 6 مليار دولار خلال الفترة بين 2011 و2014 فقط، جراء الهجمات المتكررة على خطوط إمداد النفط والغاز والطاقة.

مؤخراً دخل هذا الاقتصاد الهش مرحلة خطرة جداً جراء الصراع المسلح الذي يعيشه اليمن منذ حوالي عامين، ووصل الوضع الاقتصادي إلى حد العجز عن دفع الرواتب وانعدام السيولة النقدية بعد أن تم استنفاذ احتياطيات النقد الأجنبي خلال فترة الصراع . تمتلك اليمن موارداً اقتصادية متعددة إلا أن هذا التنوع لم يمنح الاقتصاد اليمني أية تطورات وفقاً للدراسة التي قدمها مؤخراً الباحث بليغ المخلافي لاجتماع المجلس العام للاتحاد العربي للنقابات، حيث ظل اقتصادا ريعيا لا يعتمد على فكرة القيمة المضافة وإنما على تصدير المنتجات كمواد خام سواء ما يتعلق بالنفط أو المنتجات الزراعية أو الأسماك والتي تمثل مجمل الصادرات اليمنية.

الفساد يسيطر على إدارة القطاعات الاقتصادية

هذه الموارد الاقتصادية المتنوعة لم تستغل بالشكل السليم، حيث تم إهدارها بما في ذلك مورد النفط الذي لم يُحدث أي فرق أو تغيير في الحياة العامة وإنما أحدث تغييراً في حياة أشخاص معينين، فضلاً عن إهمال مختلف القطاعات الأخرى التي تعاني الآن من الاختلالات منها قطاع الخدمات، والقطاع السياحي، وقطاع الصناعات الاستخراجية غير النفطية الذي يمتلك الكثير من المعادن التي لم تستغل، فالدولة اليمنية خلال العقود الماضية لم تتخذ شيئاً إزاء معالجة الاختلالات الاقتصادية، الأمر الذي فاقم من التحديات الاقتصادية، لتجد اليمن نفسها أمام انخفاض في مستوى المعيشة وارتفاعاً لمستويات الفقر. وتقول الدراسة التي بعنوان: "الاقتصاد اليمني من الهشاشة إلى الانهيار" إن قطاع الزراعة يعد الأكثر توظيفا للعمالة، فالمجتمع اليمني في مجمله يعتبر مجتمعا ريفيا إذ لا تتعدى نسبة المناطق الحضرية 34% من التركيبة الديموغرافية للمجتمع اليمني، لتصبح الزراعة المشغل الرئيسي للعمالة في مناطق الريف وقد بلغت نسبة التشغيل في هذا القطاع وفقا لأخر الإحصائيات 53% من إجمالي القوى العاملة في المجتمع. وترى الدراسة أنه بالرغم من ارتفاع نسبة مساهمة القطاع الزراعي في تشغيل العمالة إلا أن هناك فجوة كبيرة بين حجم هذا القطاع ونسبة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي ومساهمته في تحقيق الاكتفاء الغذائي، وتتضح هذه الفجوة من خلال ما يستورده اليمن وبما نسبته 85% من احتياجاته الغذائية، وهو ما يعني أن الزراعة تشكل لدى اليمنيين أسلوب حياة لتحقيق الكفاف المعيشي وأن معظم النشاط الزراعي يندرج تحت القطاع غير المنظم، كما أن مختلف القطاعات الاقتصادية كالنفط والسياحة والثروة السمكية والنقل والخدمات وغيرها من القطاعات الاقتصادية لم يتم تنميتها بالشكل المطلوب، وخضعت لإدارة غير سليمة شابها الكثير من الفساد وفكرة المغنم، الأمر الذي ولد اقتصاداً مشوهاً.

الصراعات والحروب

كما تناولت الدراسة أبرز تحولات الاقتصاد اليمني خلال الفترة 1990- 2010، والصدمات التي تعرض لها هذه الاقتصاد بما فيها الحروب والصراعات السياسية التي كانت ذات فاتورة باهظة يتحملها اقتصاد هش، فضلاً عن تنامي ظاهرة الإرهاب وغياب الاستقرار الأمني والسياسي وانعكاسات ذلك على الواقع الاستثماري وحرمان البلد من الاستفادة من فرصه الاستثمارية المتعددة، وبينت الدراسة أن الصدمات التي تعرض لها الاقتصاد اليمني أنتجت الكثير من التحديات التي واجهت اليمن خلال العقدين الماضيين لعل أبرزها: ارتفاع معدلات الفقر والبطالة والنمو السكاني وتدني مستويات الوصول إلى الخدمات العامة، ضعف الإدارة الحكومية، والأهم من كل هذا هو النضوب السريع لأهم موردين يعتمد عليهما النمو الاقتصادي وهما البترول والمياه الجوفية.

الإصلاحات والخطط الخمسية شعاراً فقط

انتهجت اليمن في العام 1995 الإصلاحات الاقتصادية نتيجة لاشتراطات المانحين، وتقول دراسة الباحث المخلافي إن الدولة تخلت عن احتكارها لبعض الأنشطة الاقتصادية في محاولة مواكبة التحول إلى اقتصاديات السوق، وتزايد الدور الممنوح للقطاع الخاص ليتم إفساح المجال للقطاع الخاص وتشجيعه على الاستثمار من خلال الحوافز والإعفاءات، وتراجع مستوى الاعتماد على القطاع العام في مسألة التشغيل ليتم التعويل على القطاع الخاص في تحريك النمو واستيعاب العمالة، ومن أجل تحقيق الحد الأدنى من مبادئ الحوكمة قامت الحكومة وفي محاولة للوصول إلى آليات عمل لمواجهة تحديات الشراكة عقدت الحكومة عددا من اللقاءات مع الغرف التجارية والصناعية لتقييم مناخ الاستثمار الذي أعده البنك الدولي في العام 2001م ، وفي العام 2003م دخلت اليمن في مفاوضات الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية لتحصل على عضوية المنظمة العالمية في العام 2014م بعد 11 عاما من المفاوضات .

كما اعتمدت اليمن برامج خطط التنمية الخمسية، والتي كان أخرها الخطة الخمسية لمكافحة الفقر 2006-2011م، بالتزامن مع برنامج الإصلاح الإداري والمالي، وعلى الرغم من بعض النجاحات التي حققتها برامج الإصلاح والمتمثلة في إيقاف التدهور في المؤشرات وبعض الإصلاحات في إطار القضاء والإدارة إلا أن تلك البرامج لم تكن بمستوى التحديات ولم تحقق نتائج اقتصادية ملموسة على المدى البعيد، وأعتبر الكثير من خبراء الاقتصاد أن برامج الإصلاح لم تكن سوى وسيلة شعارا رفعته الحكومات لتحقيق شروط المانحين وشاب الفساد كثير من قضايا الخصخصة وبدأت عملية تزاوج المال والسياسة تظهر إلى العلن خلال العقد الأول من الألفية الجديدة.

انهيار اقتصادي غير مسبوق

وتؤكد الدراسة أن الحروب والصراع السياسي الذي شهدته اليمن خلال العقود الماضية ولد الكثير من الاختلالات الاقتصادية وتأثرت جميع القطاعات الاقتصادية تبعا لذلك، ومؤخراً بعد سيطرة جماعة الحوثي على مؤسسات الدولة شهد الاقتصاد انهياراً كبيراً وتوقفا تاما لعجلته بسبب الصراع المسلح القائم الذي أكمل عامه الثاني منتجا كارثة إنسانية قد تكون الأكبر في المنطقة خلال الفترة البسيطة القادمة خاصة في ظل مؤشرات المجاعة وانتشار الأوبئة التي بدأت تلوح بوادرها في بعض المحافظات اليمنية، الأمر الذي دفع بالأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية إلى دق ناقوس الخطر حول الوضع الإنساني في اليمن التي أصبحت ضمن أكثر 7 دول تعاني من المجاعة في العالم ، مع فقدان ما يقارب 70% من السكان لأمنهم الغذائي وخروج أكثر من مليوني طفل من المدارس ومعاناة 350 ألف طفل دون الخامسة من سوء تغذية حاد يفقدهم القدرة على التحصيل العلمي.
تابعو أخر أخبار اليمن عبر صفحتنا على الفيسبوك
إقرأ أيضاً