طلال آل الشيخ
الشواهد الستة هل تكفي
04:58 2016-11-26

في الشواهد الستة للحرب على الحوثيين دليل دامغ على أن الهدن والاتفاقيات لن تجدي نفعا مع تلك الجماعة، وأنها لن تخضع إلا للقوة والحسم العسكري

في الشواهد الستة للحرب على الحوثيين دليل دامغ على أن الهدن والاتفاقيات لن تجدي نفعا مع تلك الجماعة، وأنها لن تخضع إلا للقوة والحسم العسكري
في بداية الألفية الجديدة كانت الحركة الحوثية عبارة عن جماعة تتمترس في نطاق جغرافي لا يتعدى إحدى المديريات في محافظة صعدة اليمنية، بدأت نشاطها باسم حركة الشباب المؤمن ومؤطرها حسين بدر الدين الحوثي الذي صدر للعالم اليوم هذه الجماعة بشعارات ما أنزل الله بها من سلطان.
اليوم توسع المشروع الطائفي لهذا التنظيم حتى وصل إلى احتلال اليمن السعيد بجميع محافظاته، وانكشف المخطط الذي أعد له بدقة متناهية نظام الملالي في إيران، التي سارعت للإعلان عن سقوط العاصمة العربية الرابعة تحت قبضة مليشياتها، وبادرت لدعم تلك الجماعة بصورة مباشرة ليتعدى خطرها الحدود اليمنية صوب الحد الجنوبي للمملكة.
الشواهد الستة المتمثلة في الحروب التي شنتها الحكومة اليمنية على تلك الجماعة تؤكد أن السلام والتعايش الاجتماعي سبب رئيسي لتمدد الحوثيين بصورة مخيفة وسط صمت مخيف من كافة الجهات والمؤسسات الدولية، في مشروع طائفي سلالي أوصل اليمن والمنطقة المجاورة إلى ما وصلت إليه.
لا زلت أتذكر جيدا تلك البدايات، وكيف مهدت الهدن المتتالية الطريق للجماعة للسيطرة على اليمن تواليا، حتى مزقت الدولة وحولت كل مقدراتها لشن الحروب المتتالية على اليمنيين، بقوة السلاح المنهوب من مؤسساتها العسكرية وبدعم وغطاء واضح من الرئيس المخلوع صالح المتحكم الحقيقي بكل معارك الأرض هناك، خصوصا في جزئها القبلي الذي يعد الحلقة الأهم في هذه المعركة.
ومع تقدم قوات الشرعية وتحريرها للجزء الأكبر من محافظات اليمن بدعم وإسناد من قوات التحالف العربي، عاد الحديث مجددا عن اتفاقيات ومعاهدات مع جماعة لا تؤمن بالعهود، ولا تفي بالمواثيق، وخير دليل على ذلك الشواهد الستة التي أظنها كافية للوقوف على حقيقة أن تلك الجماعة لن يردعها إلا القوة والحسم العسكري الذي لا بد أن يكون الحل إذا ما أراد المجتمع الدولي العودة باليمن إلى ما قبل هذه الكارثة.
*في عام 2004 أعلنت جماعة الحوثي عن تواجدها على الأرض، وكان بالإمكان القضاء عليها بعد محاصرة معظم عناصرها في جبل مران بصعدة، وقتل زعيمها حسين الحوثي وعدد من العناصر التابعة له، وكان بالإمكان درء تلك الفتنة باكرا لولا الإعلان الحكومي بوقف العمليات القتالية بعد تدخلات دولية باسم الحفاظ على الأقليات والتعدد المذهبي وغيرها من المصطلحات التي أفضت إلى ما وصلنا إليه اليوم.
*في مارس 2005 اندلعت المواجهات مرة أخرى، لكن الجماعة الحوثية زادت في التوسع وباتت أكثر انتشارا وقوة، في شمال وغرب المحافظة مع توسع المعارك بين جناحين قبليين موالٍ ومعارض للجماعة، قبل أن تعلن الحكومة اليمنية مجددا توقف العمليات القتالية وإعلان النصر المتسرع الذي لم تتبعه خطوات عملية لقطع تلك الفتنة من جذورها.
*عادت الحرب الثالثة مجددا في نوفمبر 2006 باختلاف جديد بظهور زعامات وقيادات ومتحدث رسمي، إلى حانب توسع متسارع على الأرض لعناصر الجماعة المؤطرين أيديولوجيا وفق مذاهب ومناهج تتبع ولاية الفقيه الإيراني وبوضوح بعد أن كانت مستترة في بدايتها، لتنتهي الجولة الثالثة بنصر حكومي مزيف وواقع مخيف على الأرض، بعد أن أفرجت الحكومة عن 600 معتقل حوثي بعد وساطات ومفاوضات غير مباشرة.
*في عام 2007 أوقفت الوساطة القطرية حربا ضروسا على تلك الجماعة انتهت بسيطرة شبه كلية للحوثيين على محافظة صعدة وعدد من المديريات خارج المحافظة، ولم تكف تلك المؤشرات الحكومة اليمنية للوقوف على حقيقة هذه الجماعة، وما تخفيه بداخلها من حقد وكراهية والشعور المطلق بأحقية حكم اليمن.
* لتدخل الحرب الخامسة ويزيد معها توسع الجماعة في عام 2008 في بعض المديريات المتاخمة للعاصمة، وبعد سيطرة كلية على صعدة، وشبه عزل للمحافظة عن سيطرة الدولة آنذاك، في نفس التوقيت كانت الجماعة تمهد لتوسع عناصرها داخل العاصمة عبر عملية توطين وسيطرة على أهم مناطق العاصمة من طرفيها، وانتهت بإيقاف إطلاق النار وقبول علي صالح بالوساطة القبلية.
*الحرب السادسة التي انتهت في فبراير 2010 بعد انسحاب الحوثيين من 46 منطقة حدودية مع السعودية تم وقف إطلاق النار وعودة الحوثيين إلى صعدة، وتعالى صراخ المنظمات والمؤسسات الدولية تجاه عمليات القصف الجوي التي اشتدت ضراوتها في بعض المناطق، ونتج عن ذلك نزوح الكثير من الأسر من مناطق المحافظة، لتفرض الحكومة شروطها الستة للحوثيين لوقف الحرب وإنهاء حالة الفوضى والتمرد، مقابل خضوع الحوثيين لتلك الشروط التي مهدت لوقف العمليات العسكرية مجددا، وسط تباينات كبيرة في الرؤى والمواقف من مختلف الأطراف حيال ما حدث. 
إذن؛ فقد استغل الحوثيون تلك الهدن المتتالية، وركبوا موجة الربيع العربي مطلع العام 2011 وأدخلوا عناصرهم للمطالبة برحيل الرئيس السابق صالح الذي مهد لهم الطريق مجددا للوصول إلى الحكم والسيطرة على اليمن، نكاية في الأحزاب السياسية التي وقفت للمطالبة بتنحيه عن الحكم، لتصبح اليمن كاملة تحت قبضة الجماعة التي أعلنت حربا ضروسا على المحافظات اليمنية جميعها قبل أن تطلق المملكة عاصفة الحزم.
في الشواهد الستة للحرب دليل دامغ على أن تلك الجماعة لن تخضع إلا بالقوة وبالحسم العسكري، ففي مقابل توسعها من الحرب الأولى حتى السادسة بسبب الهدن والاتفاقيات، واجهت ردعا بقوة السلاح الذي حرر معظم المحافظات من جبروتها عبر (عاصفة الحزم) التي حصرتهم في نطاق جغرافي ضيق، ولم يتبق لاكتمال المشهد سوى السيطرة على العاصمة.
إن الحديث اليوم عن أي مبادرات أممية أو اتفاقيات وتنازلات تفضي إلى بقاء الجماعة شريكا في الدولة القادمة هو ضرب من الجنون، وسيكون بمثابة قنبلة موقوتة لقادم مخيف لن يكون تأثيره على الأراضي اليمنية فحسب؛ بل قد يمتد حتى جنوب الوطن، وهو ما أكدته كذلك العمليات العسكرية للجماعة وصولا إلى محاولة استهداف مكة والطائف وغيرهما.
إن الحوار مع ميليشيا إرهابية لن يجدي، وإذا لم يتم الحسم عسكريا -رغم التكلفة حاليا- فإن الفاتورة ستكون باهظة الثمن لاحقا، لكون الأمر ليس بيد تلك المليشيات بل في يد الحكومة الإيرانية التي تحرك تلك الجماعات مثل حجر نرد حيث ما تريد.
وبعيدا عن الحسم العسكري والمعارك المتضاربة في مختلف الجبهات، لا بد من العمل على تغير الخارطة اليمنية الحالية، والسعي إلى إيجاد نظام فيدرالي يقلص من السيطرة المركزية على مقدرات اليمن وحصره على قبائل شمال الشمال.
الأقاليم أحد الحلول الأكثر أهمية لوقف الاحتراب في اليمن، ولعل مسودة الدستور اليمني الذي شارف على الانتهاء قبل عام كان أحد الأسباب التي دفعت الحوثيين وجماعات صالح لتفجير الحرب في مختلف مناطق اليمن، لأن الأقاليم ستقضي على مشاريع السيطرة القبلية الشمالية على جزءي اليمن بشماله وجنوبه.